منتدى كنيسة السيدة العذراء مريم بالبطاخ
مرحبا بك عزيزى الزائر/عزيزتى الزائرة
سلام المسيح يكون معاك
انت لم تعرفنا بنفسك فقم بالدخول :-
وان لم يكون لك حساب بعد , نتشرف بدعوتك لانشائة .نتمنى ان تنضم الى اسرة منتدى كنيسة العذراء مريم بالبطاخ
سنتشرف بتسجيلك

شكرا
ادارة المنتدى

مكيال بنت شاول

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

مكيال بنت شاول

مُساهمة من طرف abram في الأحد ديسمبر 27, 2009 8:25 am


مكيال بنت شاول

«ورأت الملك داود يطفر ويرقص أمام الرب فاحتقرته في قلبها».



مقدمة

كان زواج مكيال بنت شاول بداود واحدا من أقدم وأغرب أنواع الزواج السياسي الذي تم بين الناس، والأصل في الزواج هو العلاقة التي يتكامل فيها الزوجان ويرتبطان بأعمق الوشائج القلبية والروحية حتي يصبحا بالمعنى الإلهي الصحيح جسدًا واحدًا، تنسجم فيه الأفكار والعواطف والميول، كانسجام اللحن الواحد، والنشيد الواحد مهما تنوعت طبقاته الموسيقية، ولكن الناس خرجت بالزواج عن هذا المعنى، في كثير في الأحايين والأوضاع، حتى لم يعد يصدق عليه القول: إن ما جمعه الله لا يفرقه إنسان، لأن الذي يجمع هنا ليس الله، بل الميول والأهواء والشهوات، كما يفعل الزواج السياسي الذي يستهدف مصلحة أو مصالح معينة بعيدة كل البعد عن التناغم الروحي الذي هو أساس الزواج السليم الصحيح، أمام الله والناس. والزواج السياسي معروف منذ القديم، عندما كان الملوك يربطون بين الأسر المتصاهرة، أو اتقاء خطر أو أطماع من جيران متحفزين، وقد يكون على نطاق أضيق بين عشائر أو قبائل أو أسر أو بيوت، ولكن الهدف مماثل، والغاية واحدة، على أن زواج داود بمكيال لم يكن كما أشرنا من أقدم أنواع هذا الزواج بل من أغربه أيضاً، فكل زواج سياسي القصد منه الإبقاء على العلاقة لا الانهاء عليها، والحرص ما أمكن على طول أمده لا على الخلاص منه، ولكن هذا الزواج قصده شاول للعكس تماماً، فهو يقصد أن يجعل منه مصيدة للقضاء على داود والتخلص منه، حتى ولو تحولت ابنته إلى أرملة بعد موته، على يد الفلسطينيين أو يده على حد سواء، والزواج السياسي بهذا المعنى، مقضي عليه بالفشل، ومهما خدم من مصالح وقتية فانه لابد يؤول آخر الأمر إلى الفاجعة والضياع، كما نرى هذا النموذج بين ميكال وداود:



ميكال وأساس الحياة الزوحية

كان الأساس الذي قامت عليه الحياة الزوجية بين ميكال وداود فاشلاً وخائبًا من أكثر من وجه، وقد شارك العصر الذي عاش فيه داود في هذا الفشل، إذ لم تكن الحياة الزوجية، كما ردها المسيح إلى الأصل، بين اثنين يعيشان الحياة كلها، ويفهمان الزواج بهذا المعني، ولا فاصل بينهما سوى الموت، فميكال زوجة داود الأولي يأخذها منه أبوها ليعطيها في لحظة نزاع وخصام إلى آخر، على نحو قاس ومذل، ثم تلزم على ترك هذا الزوج للعودة إلى داود مرة ثانية على نهج أكثر قسوة وإذلالا، حتى أن زوجها كان يسير وراءها، مودعاً إياها بالدموع والبكاء، كما أن المجتمع تدخل في هذا الأساس فزاده سوءا على سوء، إذ أن فكرة هذا الزواج نبتت أول الأمر، وشجعها الناس، على اعتبار أنها مكافأة لمن يتصدى «لجليات» الجبار ويقتله، والزواج الصحيح، تكافؤ، وليس مكافأة، وفضل من الله، وليس تفضلا من بشر، وما من شك بأن داود أدرك هذه الحقيقة فوقع فترة من الزمن في التردد بين الإحجام والإقدام، ومع أنه قتل جليات بدافع أعظم من مجرد الرغبة في زواج ابنة الملك، إذ كان همة الأول والأخير إزالة عار ألحقه الجبار بربه وإلهه، ولم يبحث داود بعد هذا عن وعد الملك، بل بالحري تخوف منه وفزع وقال: «من أنا وما هي حياتي وعشيرة أبي في إسرائيل حتى أكون صهر الملك» وعندما ألحت عليه الخاصة الملكية كان جوابه: «هل هو مستخف في أعينكم مصاهرة الملك وأنا رجل مسكين وحقير».. وكان خليقًا بداود أن يزداد تخوفه بعد أن وعده الملك بميرب ابنته الكبرى، ولكنه عدل عنها لسبب في نفسه، وأعطاها لآخر، ثم عاد ووعده بالصغرى لسبب آخر. ومن أكبر الأخطاء في المجتمع أن يتم زواج من هذا النوع، يحس فيه أحد الطرفين أو كلاهما، أن هناك فارقًا واسعًا بين الاثنين لا يسهل تجاوزه اجتماعيا أو ماديا أو علمياً أو ما أشبه، إن الأساس الإلهي للزواج كما هو منذ اللحظة الأولى: «أصنع له معينًا نظيره» وكلما اقترب الاثنان عمرا وعلماً وثقافة وروحاً، كلما كان الأمل في استمرار الزوجية في أجمل صورها مرجحًا أو مؤكدًا والعكس صحيح، ومع أن نجم داود كان صاعدًا، وكان يعلم عن يقين أنه في سبيله إلى أن يعلو على هذه الأسرة، إلا أن نقطة الارتكاز التي هددت بالفشل هذا الزواج منذ اللحظة الأولى، كانت فقدان التوازن، أو عدم التكافؤ الذي لم ينقطع لحظة واحدة بينهما، فإذا أمكن تجاوزه من الوجهة الاجتماعية، فإن هوته الروحية بقيت في وضعها المخيف طوال حياتهما الزوجية!!

ولعله من المناسب ما دمنا في هذا الصدد أن نلاحظ أن هناك عاطفتين لا يجمل لواحدة منهما أن تطرق باب الحياة الزوجية، والواحدة منهما تختلف عن الأخرى تماماً وهما عاطفة الاستعلاء وعاطفة الشفقة... فيوم يتصور أحد الطرفين أنه أعلى من الطرف الآخر، وأنه يتنازل إذا تزوج منه ترفقًا به أو شفقة عليه، فسد الأساس الذي تقوم عليه الحياة الزوجية، التي يتساوى فيها الطرفان، وليس بينهما أعلى أو أدنى، أكبر أو أصغر.

على أن شاول الملك أعطى أساسًا أكثر إفسادًا من هذا لمعنى الحياة الزوجية، اذ جعله لغرض سياسي، أو لمصلحة ذاتية، وقد ارتكب وهو لا يدرك جريمة إفساد المعنى الصحيح الذي شرعه الله للزواج، وكان موشكًا أن يرتكب الجريمة الأخرى التي كان يسعى إليها، جريمة قتل داود، عن طريق هذا الزواج لوتم له ما أراد عن طريق الفلسطينيين، أو عن طريق مؤامرة الاغتيال التي سعى إليها مباشرة في جنح الظلام، وكان يمكن أن تتم لولا لطف الله، وهرب داود في اللحظة الحاسمة الدقيقة، وعلى أي حال فالزواج الذي يتم لمجرد إيفاء غرض أو مصلحة أو سياسة بعيدة عن المعنى الروحي المقدس للحياة الزوجية يشكل جريمة لابد أن تظهر آثارها في المدى القريب أو البعيد، وغالبًا ما تنتهي على النقيض تمامًا من السياسة التي كان يهدف إليها وأضعوها، مهما كانت نواياه وسواء فعل ذلك عن سذاجة وغفلة أو عن خبث ودهاء.

ولعله من اللازم أن نلاحظ سببًا آخر قد يكون بعيد الأثر في فساد الأساس الذي قامت عليه هذه الحياة الزوجية، ونعني به «الإعجاب» عند داود وميكال لفكرة تزوج أحدهما بالآخر، فداود الذي تردد ورفض عند تأمله في أعباء وتكاليف هذا الزواج، وقع في الشرك الذي نصبه له شاول إذ جاءه من نقطة البطولة التي تهز وتثير أعصابه، فهو لا يطلب مهراً سوى البطولة التي عرفت عنه، بقتل مئة من الرجال الأعداء، ولعلنا نلاحظ أن داود أعجب جدًا بهذه الفكرة، فأغرته عن نسيان التحفظ الواجب تجاه مصاهرة الملك، ودفعته وهو لا يدري في هذا السبيل بحمية وحماس، فهو لا يقتل مئة فحسب، بل مائتين أي ضعف ما طلب الملك، ولعله كان مبتهجًا سكرانًا بهذه النشوة، نشوة الإعجاب بما قام وأنجز وهو يقدم مهر عروسه لأبيها الملك، كما أن ميكال وقعت في حب داود تحت ما يطلق عليه في علم النفس «عبادة البطولة» كان حبها له نوعًا من الإعجاب بدأ في أول الأمر بنوع من الغيرة والحسد، إذ أن داود لم يكن لها أصلاً بل كان لأختها ميرب، وربما كانت الغيرة تنهش صدرها عندما تسمع الهتافات تدوي باسم البطل، ومع ذلك فهي تعلم أنه ليس لها بل لأختها والحرمان يضاعف الرغبة، والعطش يزيد الالتهاب إلى الكأس، ومن المؤكد أنها كانت جميلة كأنثى، وإلا لما طلب من أبنير بن نير ألا يرى وجهه، إلا إذا كانت في صحبته ميكال التي تزوجها من قبل! ولم يكن داود أيضاً أقل جمالاً إذا كان أشقر مع حلاوة العينين، وقد أعجبت به ولاشك ميكال وهو يدخل إلى القصر، رائع المنظر متين البنية، وكان يأتي إلى أبيها وقد انحنى على العود يخرج أروع الأنغام، ليسكن عن نفسه الثائرة، ويثير فيها هي إعجابًا لا حد له!!. هذا الإعجاب المتبادل بين الاثنين كان أساساً ولاشك لنسيان كافة التحفظات، والاندفاع إلى الرغبة في الاقتران، مهما كانت العوائق والعقبات التي تقف في الطريق ... والإعجاب وحده لا يكفي قط لنجاح الحياة الزوجية.. لأنه قد يبدأ جارفًآ أمامه كل العقبات كالنهر المتدفق، ولكنه لا يلبث أمام شقوق الزمن وتراب الحياة أن يجف، وتبتلعه الأرض، ما لم يكن له الرصيد الروحي الذي يغنيه ويحفظه في مواجهة الأعاصير وتقلبات الأيام والأزمان التي تحدث في العادة مع كل زواج!!.. إن الإعجاب بين الشاب والشابة يصلح أن يكون مقدمة أو تمهيد للتفكير عند الاثنين في الزواج، لكنه لا يصلح قط إذا تبين أن أحد الاثنين جميل الوجه مثلاً، وفارغ العقل، أو بطلاً من أبطال الملاكمة أو المصارعة أو كمال الأجسام، ولكنه معدوم التذوق الحسي أو الرغبة القلبية أو النور الروحي...

ولعله من الملاحظ أن هذا الإعجاب عاش فترة من الوقت بين داود وميكال وكان من فضله أن ميكال أنقذت داود من مؤامرة أبيها، وقد يعيش هذا الإعجاب تحت اسم الحب، عند كثيرين من المتزوجين، ولكن إلى فترة، وما أكثر ما رأينا صور المحبين العاشقين وقد تحولوا أعداء متنازعين على أقسى صور المنازعة، بعد صحوة الانفعال المشبوب، والإدراك أن النجاح، إن كان هناك ثمة نجاح، الذي ينبثق عن الإعجاب، ليس إلا النجاح الوقتي، الذي يعقبه فشل، وفشل قاس ذريع.



ميكال والنير المتخالف مع داود في الحياة الزوجية

ولعل من أروع ما كتب من هذا القبيل ما كتبه دكتور الكسندر هوايت في هذا الصدد عندما قال: «ليس هنا بالتأكيد رجل أو امرأة تخالف نيرهما كما حدث مع داود، الرجل الذي بحسب قلب الله وميكال ابنه شاول، فما هو طعام لداود سم لميكال، والأشياء التي تصبح عزيزة وعزيزة جداً على قلب داود في كل يوم، هي نفسها الأشياء التي تجعل ميكال تكاد تجن تماماً، كمثل ذلك اليوم الذي فيه هاجت بعضب جنوني يوم مجيء تابوت العهد إلى مدينة داود، كان هذا اليوم أعظم الأيام في حياة داود، ومن الموسف أن نقول إن هذه العظمة الهائلة بالذات هي التي جعلته يوم موت لميكال ابنه شاول، لقد ماتت ميكال ابنه شاول بمرض غريب، عدم التذوق العميق لأعظم المسرات عند زوجها، وقد نما عدم التذوق هذاإلى أن تحول إلى عدم حب، وانفجر في ذلك اليوم حتى أصبح كراهية صريحة، وإيذاء متعمدًا! على أنه لكي تفهم هذا ينبغي أن تعلم ماذا يعني تابوت الله بالنسبة لداود؟ وماذا يعني مجيئه إلى المدينة حتى تدرك المحنة التي حدثت في ذلك اليوم! إن الشرح يطول، ويأخذ أوقاتًا ممتدة، لو استطعت أن أحدثك عما كان في قلب داود، وهو يذبح ثورًا أو عجلاً معلوفًا كلما خطا حاملو التابوت ست خطوات، وهو يرقص متنطقًا بأفود أمام الرب، إن من الواجب، أن تترفق بداود في ذلك اليوم قبل أن تقدره وتحترمه، لقد أخرجه الموقف عن وعيه، ذلك لأن الرجل في العادة كان لا يعمل شيئًا بأنصاف الحلول، وعلى وجه الخصوص فيا يتعلق بتعبده وسجوده لله، وهو يشبه في ذلك ما حدث في يوم آخر، بعد زمن بعيد طويل وفي نفس المدينة عندما نقرأ ما قيل عن السيد وكيف تذكر تلاميذه أنه مكتوب: غيرة بيتك أكلتني، كل ذلك ينبغي أن تعرف حتى تستطيع أن تدرك كيف كان داود يلعب ويرقص بكل قوته في ذلك اليوم.. وأشرفت ميكال من الكوة لتراه على هذا الوضع، وتحتقره في قلبها، إن الصم يحتقرون في العادة أولئك الذين يتعجبون، لمن لا يتحرك للأنغام الموسيقية، وقد تعجب داود كيف لا تتحرك ميكال في ذلك اليوم! غير أن ميكال لم تكن لها الأذن المفتوحة لموسيقى التابوت، إذ لم تكن قد تربت على ذلك من قبل، وليس لها العادة أن تذهب إلى بيت الرب، لتغني، وتلعب كما كان داود متعودًا أن يفعل...

كان من الواضح أن داود وميكال على النقيض في كل شيء، في الشخصية والروح والطباع والعادات، ومع أننا لا نعلم عن السنوات الأولى من حياة ميكال، عندما كانت في بيت أبيها صبية أو شابة، غير أنه من الواضح أنها لم تنل من التربية الدينية والحياة الروحية شيئًا قليلاً أو كثيرًا، وأنها كانت من هذا القبيل بنت أبيها، الذي رغم طوله الفارع كان قزمًا في المعرفة الدينية أو الحياة الروحية، وعلى العكس من هذا تماماً كان داود في الصبا والشباب بل وفي حياته كلها، يشرب عميقًا من نبع الشركة المقدسة مع الله، ويرتل مزاميره الخالدة، ويغني أغانيه الحلوة، التي تجاوزت أصداؤها القرون والأجيال فكيف يمكن للنهجين، والتربيتين، والأسلوبين أن يجمعهما سقف واحد، وفراش واحد، وأسرة واحدة!

في الواقع لا يعلم أحد من هو كاتب المزمور الأول بين المزامير، أهو داود كما يتصور البعض أم غير داود كما يرى أخرون، وسواء كان هذا الرأى أو ذاك، فمما لاشك فيه أن داود وميكال عاشا هذا المزمور بعينه، فكان داود كشجرة مغروسة عند مجاري المياه التي تعطي ثمرها في أوانه وورقها لا يذبل وكانت ميكال كالعصافة التي تذريها الريح، دون أن تفيد أو تثمر على وجه الإطلاق.

أجل وأنها حقيقة لاشك فيها أن الزواج يقوم أو يسقط على قدر ما للزوجين من تماثل أو أختلاف في أساس الحياة الروحية والمذهبية والعقائدية عند كليهما ولهذا يقول الرسول: لا تكونوا تحت نير مع غير المؤمنين لأنه أية خلطة للبر والإثم وأية شركة للنور مع الظلمة، وأية مواقة لهيكل الله مع الأوثان..» وعلى الشاب المؤمن قبل أن يضع عنقه تحت نير الحياة الزوجية، أن يتأكد من نوع الفتاة التي يمد يده إليها، وهو هي مؤمنة مثله، مولودة من فوق، وهل لها من الرؤي والمثل والمباديء الروحية، قبل أية صفات أخرى تتحلى بها مثل ماله، إنه إن فعل ذلك، يمكن أن يطمئن إلى سلامة رحلتها في موكب الحياة، وإلا فالويل عظيم، والشقاء في هذا العالم، وربما في الأبدية أيضًا، مفتوح على مصراعيه.

فاذا عدنا إلى ميكال وقد خوت من هذا الأساس الروحي، رأيناها وزوجها يختلفان في السمات والصفات والطباع، فهي متكبرة، وهو وديع، وهي شرسة، وهو هاديء، وهي تنظر إلى الماضي بعين تختلف عن نظرته، فبينما تقف هي في غرورها على تل من ماض قديم، ومجد ذاهب، مجد بيت أبيها الذي هوى إلى التراب والحضيض يقبل هو في مكانه أو يركع أمام إحسانات الرب، ومراحمه، التي أخذته من وراء المربض ليكون ملكًا على الشعب!... والحياة الزوجية لا يمكن أن تستقيم إذا اختلف الزوجان في كافة المبادىء أو المثل أو الأخلاق، إذ أنهما يعيشان على الشوك، إذا كان الواحد جادًا، والآخر مهذارًا، أو متعففًا والثاني مستبيحًا، أو كريمًا ورفيقه مقترًا أو شحيحًا، وما إلى ذلك من الصور المتعددة المتناقضة التي تجمع بين اثنين ربطهما النير المتخالف في الحياة الزوجية.



ميكال والتعاسة في الحياة الزوجية

كانت ميكال ابنة ملك وزوجة ملك، ولكنها كانت ينبوعًا لا ينتهي من التعاسة لنفسها أو لزوجها على حد سواء، ولعل من أبشع مظاهر هذه التعاسة أن يصل الأمر بها إلى احتقار زوجها، وأى زوج هذا الذي يحتقر؟ ياللعجب! بل ويا للسخرية؟ إنه بعينه الزوج الذي تزوجته يومًا ما بدافع من الحب وفرط الإعجاب، ولكنها النفس البشرية العجيبة التي تتغير، والعين التي تتلون الرؤيا فيها على الشيء الواحد، والحلو الذي يصبح مرا، والمر الذي يصبح حلو في مذاق هذا الإنسان الغريب في الأرض، أجل وما أقسي أن توجد كلمة «احتقار» بين الزوجين في أية مرحلة من مراحل الحياة الزوجية، ومهما كانت الأسباب التي تجرب بهذا،.. وعلى كلا الطرفين أن يكافح هذا الاحتقار كما يكافح الوباء أو التجربة القاسية، إن شاءا أن يتجنبا ما لابد أن يأتي في أثره من كوارث لا تنتهي أو تهدأ، فإذا تعرضت المرأة لأن تحتقر زوجها لسبب وهمي أو معكوس، كما فعلت ميكال، عليها أن تدرس أولاً وقبل كل شيء أن الوصية لها من قبل الله في الحياة الزوجية: «أما المرأة فلتهب رجلها» وأن الأصل الدائم أن تحترم زوجها، بل أن تعطيه من الاحترام ما لا يجوز أن يأخذه آخر بعد الله، فإذا تصورت أنه أخل أو تصرف ما لا يليق، فعليها ألا تتعجل في حكمها البتة على هذا التصرف، وأن تدرسه بهدوء وعمق، وأناة وصبر وتحاول أن تعرف الدوافع التي ربما تكون قد دفعته إلى فعل ما فعل.. وقد ترى عندئذ أن دوافعه عظيمة ونبيلة وجديرة بكل تقدير وتشجيع، وعندئذ قد تصحح هي موقفها وتبدله من الاحتقار إلى التقدير، ومن الامتهان إلى التعظيم فإذا تبدي لها أن ما يفعله الزوج لا يمكن أن يكون إلا شراً أو هوانا واضحًا فلتفعل أي شيء إلا أن تحتقر زوجها، وتبصق عليه، ولتره ضحية وفريسة لتجربة تحتاج فيها إلى أعمال كل حكمة وجهد وصلاة لإنقاذه منها، وسيحمد لها الزوج يومًا ما بعد أن يفيق من التجربة ويفلت من الفخ ما فعلت زوجته، ويحفظ لها احترامًا كاملاً، وتقديراً لا حد له، لوقوفها إلى جانبه يوم تردى وتعثر، كما أن على الزوج أن يعلم أنه من يوم أن يقترن بزوجته، فإن رسالته المستمرة في الحياة الزوجية أن يحب زوجته، كما أحب المسيح الكنيسة وأسلم نفسه لأجلها، والمحبة الحقة لا تعرف كلمة الاحتقار على الإطلاق، ومهما كان مركز الزوجة قبلاً أو حظها في الحياة أدنى أو أقل، فإن واجب الزوج أن يرفعها أمام الله والناس في مركز المساواة الدائمة، لأنه يوم يحتقرها في شيء، إنما يدري أو لا يدري، يحتقر نفسه، ويهين نفسه، إذ أصبح هو وهي، ليسا فيما بعد اثنين بل جسدًا واحدًا، وكل ما يفعله من هذا القبيل يرتد عليه رضى أم كره، شاء أو لم يشأ على حد سواء.



هذا الاحتقار النفسي في قلب ميكال، لا يمكن أن يقف عند حد الأساس الداخلي، بل لابد أن يظهر بهذه الصورة أو تلك ويطفح في تصرف ما، وقد ظهر في الإهانة وسلاطة اللسان، إذ صورت زوجها كواحد من السفهاء، هذه المرأة التي لاشك أنها أسمعت داود الكثير من عبارات المدح يوم أحبته وتزوجته، وذكرت له من الأوصاف والألقاب ما يخلع عادة على الأبطال، تعود بنفس اللسان لتشتمه وتسبه وتصفه بأوصاف الدهماء والرعاع وحثالة الناس! هذا هو اللسان الذي قال عنه يعقوب الرسول صدقًا «وأما اللسان فلا يستطيع أحد من الناس أن يذلله هو شر لا يضبط مملوء سمًا مميتًا به نبارك الله الآب وبه نلعن الناس الذين قد يكونوا على شبه الله، من الفم الواحد تخرج بركة ولعنه لا يصلح يا إخوتي أن تكون هذه الأمور هكذا ألعل ينبوعًا ينبع من نفس عين واحدة العذب والمر»..



وهذا ما فعلته ميكال باللسان الواحد، للرجل الواحد، وللأسف كان هذا الرجل أعظم رجال عصره، وفي الوقت نفسه زوجها وملكها!! وليست هناك تعاسة توصف كمثل التعاسة التي يتبادل فيها الزوجان في أي يوم من أيام حياتهما الزوجية لفظ شتيمة أو سباب أو كلمة جارحة لأي سبب تكون!!..



إن الحياة الزوجية مهما اختلفت فيها وجهات النظر، وحتى لو تطور الاختلاف إلى خلاف برهة من الزمن، فليحرص الزوجان على ألا تسجل في قصة حياتهما عبارة، يمكن أن تخلد في الذكرى، جارحة، كالعبارة التي لم تكن تدري ميكال يومًا ما أن الأجيال ستقرؤها وتسمعها عندما شتمت زوجها في يوم من أروع الأيام وأقدسها على وجه الإطلاق.



هذه المرأة المسكينة كان آخر مظهر من مظاهر تعاستها وشقائها، أنها كانت الوحيدة بين نساء داود التي لم تنجب ولداً. ولا أعلم مدى الغيظ أو الضيق الذي كان ينتابها عندما كانت ترى أولاد داود الكثيرين يلعبون ويركضون هنا وهناك، وترن ضحكاتهم في جنبات القصور، وهي ترى نفسها خاوية خربة النفس والقلب والمشاعر، في عزلتها الشديدة التي أوجدتها لنفسها بما جلبت عليه من كبرياء قلب وثورة طباع.. وقد حاولت هذه المرة أن تفعل شيئًا مخففًا من هذه الوحدة، فلم تغير من حالها وطبعها مع زوجها أو الآخرين بل سعت إلى تبني أولاد أختها ميرب الخمسة، كما يذكر التقليد، ولأجل ذلك جاء ذكرهم في سفر صموئيل عند موتهم منسوبين إليها!! وفقدت المرأة آخر ما تبقى لها من رجاء وعزاء! ولم تكن تدري في هذا كله، أنها هي السبب الأكبر، وأنها هدمت بحماقتها البيت الذي كان يمكن مع زوجها أن يكون واحداً من أعظم البيوت في تاريخ الناس...






avatar
abram
مديرعام المنتدى
مديرعام المنتدى

عدد المساهمات : 522
تاريخ التسجيل : 06/12/2009
العمر : 27
الموقع : stmary.elbotak.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى