منتدى كنيسة السيدة العذراء مريم بالبطاخ
مرحبا بك عزيزى الزائر/عزيزتى الزائرة
سلام المسيح يكون معاك
انت لم تعرفنا بنفسك فقم بالدخول :-
وان لم يكون لك حساب بعد , نتشرف بدعوتك لانشائة .نتمنى ان تنضم الى اسرة منتدى كنيسة العذراء مريم بالبطاخ
سنتشرف بتسجيلك

شكرا
ادارة المنتدى

أستير

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

أستير

مُساهمة من طرف abram في الأحد ديسمبر 27, 2009 8:29 am


أستير

«ومن يعلم إن كنت لوقت مثل هذا وصلت إلى الملك»



مقدمة

هل نحن في عالم يعتني به الله؟ وما مبلغ عنايته؟ وما مدى تدخلها في أحوال الناس وظروفهم وأحداثهم وحوادثهم؟ ،أي السبل تسلك؟ وما وسائلها التي تتذرع بها لبلوغ مقاصدها البعيدة المتعددة المترامية؟ كل هذه أسئلة تثار، والناس يقفون ازاءها مختلفي الفكر، موزعي الاتجاه، متبايني المنطق، فمنهم من لا يؤمن بالعناية اطلاقاً، لأنه لا يؤمن بوجود إله.. ويتخذ من مظاهر هذا الكون والاضطراب والفوضى التي تتمشى فيه سندًا لحجته وقوة لها... ألم يقل عمر الخيام في فلسفة بائسة يائسة محزونة: «ما هذه القبة الزرقاء فوقنا إلا صحن مقلوب يزحف تحته البشر ويحيون ويموتون، فلا ترفع لهذه القبة يدا في طلب العون فهي صماء بكماء عاجزة مثلي ومثلك».

ومنهم من يظن أن الله لا يكاد يبالي بآلام الناس وأحزانهم وتعاساتهم، كلورد بيرون، أو نأي عنهم فنفض يديه منهم كما زعم توماس كارليل، ومنهم من يؤمن بالعناية بكيفية مجملة عامة تسيطر على مصاير الجماعات والشعوب والأمم ولكنه لا يكاد يصدق تدخلها في تلك الأمور الصغيرة الدقيقة العادية التي يألفها الناس في حياتهم من أكل وشرب ولبس ومرح وبكاء ودخول وخروج وما أشبه! غير أن هناك من يؤمن بالعناية في أوسع وأدق ما تشمل من معنى، العناية الجامعة المانعة، العناية التي ترعي الصغير والكبير على حد سواء، فتحصى شعور الرءوس كما تعد الشعوب والممالك، وتهتم بعصفور صغير كما تهتم بأمة بأسرها، العناية الحكيمة الحلوة المحبة المبصرة التي صاح ازاءها كلفن: «اني لا أؤمن بعناية الله كإله فحسب، بل بعنايته كآب محب مشفق»...

إزاء هذه كلها ماذا تحدثنا قصة أستير!؟ وأي ضرب من العناية تكشف لنا؟ وما أثر العناية في توجيه التاريخ والشعوب والأفراد والحوادث؟ ذلك ما أريد أن نتأمله في اتجاهين:



أستير: من هي؟

كانت أستير فتاة يهودية ولدت في السبي في شوشن القصر، ويقول التقليد ان أباها مات وهي جنين في بطن أمها، كما ماتت أمها أثناء ولادتها، فهي فتاة حزينة بائسة، خرجت إلى عالم لم تتذوق فيه حنان الأمومة، وعطف الأبوة، ولم يكن لها من عائل سوى ابن عمها الفقير مردخاي، الذي تكفل بها منذ الصغر، ولعله هو الذي دعاها «هدسة» أي «آس» ذلك النوع من الشجر القصير الصغير الظليل الجميل الدائم الأخضرار العطري الرائحة، والاسم يشير إلى جمال فائق فتان تعلوه مسحة من الكآبة والوحشة والتعاسة التي أورثها الفقر واليتم والسبي، على أنها دعيت فيما بعد أستير، والكلمة سواء كان معناها «نجمة» أو «عشتاروث» آلهة الخصب والشباب والجمال، فإنها تحدثنا عن هذا الجمال حين نضج واكتمل وتألق، وسار في طريقه إلى العظمة والإبهاء والقصور، كما أنها كانت فتاة رضية الخلق، وادعة النفس، متواضعة الروح، تروق لها الدعة والبساطة والهدوء، فهي في تجملها لا تميل إلى الإفراط والإغراق الأمرين اللذين كان يتطلبهما الاستعداد للدخول إلى الملك، وحين بلغت العرش لم يبهرها الصعود السريع المفاجيء، عن الحياة الوديعة القديمة، كنت أظنها ستنسي مردخاي أو تتحاشاه، أو تذكره لماما في شيء من الأنفة والكبرياء.. أليس الفاصل بينهما الآن وسيعًا كبيرًا هائلاً لا يستطاع تخطيه، أليست هي الآن نجمة الإمبراطورية الفارسية العظيمة، وهو مجرد واحد من الرعايا اليهود الأصاغر، لكن الملكة القديمة لم تفعل، ومن العجيب أنها ظلت على روح كاملة من الولاء والطاعة له، كما كانت عنده في بيته الفقير: «وكانت أستير تعمل حسب قول مردخاي كما كانت في تربيتها عنده» أنها في الواقع صورة النفس العظيمة التي لا يلوثها الغرور أو تفتنها الكبرياء، فتشيح بذكراها عن الأيام البسيطة الصغيرة الساذجة الأولى... رفع أحشويرش إلى المجد شخصين، فقتل المجد أحدهما، وأزكى الثاني، قتل خلق هامان، وأزكى عظمة أستير!..

ولعل أستير كامرأة وملكة قديمة، تعطي صورة من أقدم وأدق الصور للشخصية اليهودية في مختلف العصور، ومن العجيب أننا يمكن أن نرى فيها الكثير من الصور التي نراها في اليهودي في القرن العشرين كما كانت في القرون السابقة على الميلاد، سواء بسواء، فهي أولا صورة اليهودي المنعزل الذي لا يمكن أن يختلط بغيره، والذي حقت عليه نبوة بلعام القديمة: «هو ذا شعب يسكن وحده، وبين الشعوب لا يحسب».. كان اتصالها الدائم بمردخاي وشعبها، ولم تستطع حياة الترف والبذخ والمجد العالمي أن تفصلها عنهم أو تجعلها قريبة التنكر أو التجاهل لهم!!.. ومن الواضح أن الكثير من الجنسيات والشعوب، قد ذابت على مر الأجيال في الأماكن التي انتهت إليها، إلا اليهود أنفسهم الذين مهما اختلطوا أو ارتبطوا بغيرهم من الأمم أو الحضارات إلا أنهم إلى اليوم في أمريكا أو أوروبا أو أي مكان آخر من العالم، لا يمكن إلا أن يعيشوا في وحدة داخلية متعصبة كاملة!!..

وهي أيضًا تمثل اليهودي في سريتها، إذ لم تخبر أحدًا بحقيقة مولدها وجنسها وشعبها كما أوصاها مردخاي، والتقليد يقول إن احشويرش لما بهره جمالها يوم دخلت إليه، وأراد تمليكها، حاول أن يتعرف على شيء من أصلها وأهلها وعشيرتها وجنسها، ولكنها استطاعت أن تصرفه بمهارة ولباقة عن السؤال بكثرة ما شغلته ووجهت إليه من أسئلة عن الملكة السابقة وشتي، وفي الواقع ليس هناك أستاذ في الدنيا، كاليهودي في فن التخفي، والحياة السرية العميقة الغامضة، ويرد رجال النفس هذا للحياة المشردة التي يعيشها في كل التاريخ، على أنها إلى جانب هذا كله، يضع لنا كتاب الله قصة حياتها، كفتاة يهودية مؤمنة، في عصر الوثنية والظلام وقد عاشت في شوشن تحيط بها الوثنية من كل جانب، لكنها لم تستطع قط أن تؤثر فيها أو تنتصر عليها، أو تنسيها الحياة العظيمة القديمة التي كانت لأجدادها إبراهيم واسحق ويعقوب، كانت تؤمن بالله في أرض الوثنية، وتعيش متطلعة إليه بالحق في عالم الضلال. وعندما واجهها الخطر، وواجه قومها، كانت أنبل صورة يقدمها الإنسان من أجل شعبه، وعقيدته، ودينه، وسعت إلى الخطر بقدميها، وهي تصوم وتصلي هي وجواريها قائلة قولها العظيم الرائع «إذا هلكت هلكت» ان صورة أستير يمكن أن تكون عظة لجميع المؤمنين في كافة الأوطان والشعوب والأمم والممالك، إذ أن المؤمن الصحيح ينبغي أن يكون وطنياً متفوقًا في وطنيته، على استعداد أن يبذل كل شيء من أجل الآخرين من إخوته وأحبائه ومواطنية، وعليه أن ينسى نفسه، ويدفع الضريبة ما بلغت لمجد الله أولاً، وخير إخوته وأحبائه وشعبه ومواطنيه بعد ذلك، ولا شبهة على الإطلاق، في حياتنا كمسيحيين بعد خمسة وعشرين قرنًا من الزمان من هذه الفتاة القديمة، أن نشير إلى أن الإيمان الصحيح والوطنية الصحيحة يسيران على الدوام في خطين كاملي الاستقامة والامتداد والتوازي، وإن كنا نتحفظ في الأسلوب الذي اتبعته هذه الملكة القديمة، إذ كانت ضاربة قاسية في الانتقام لشعبها، الأمر الذي أثار حفيظة مارتن لوثر عليها، وجعله شديد التبرم منها ومن قسوتها، ومع أن الكثيرين حاولوا أن يدافعوا عنها، من هذا القبيل، إذ ذكروا أنها فيما فعلت، لم تكن في موقع الهجوم أو الاستعداء على الساكن الآمن الهادي، بل كانت تدفع ظلمًا صارخًا قاسيًا مروعًا، وكانت في موقع الدفاع والحماية لنفسها وشعبها! على أنه مهما تكن حجتها في ذلك، فمن الواضح أن روح العهد الجديد في المسيح يسوع لا يمكن أن تقبل هذا الأسلوب على الإطلاق، ولا يجوز الالتجاء إليه بتاتًا الآن، وقد رفضه المسيح بوضوح، عندما طلب ابنا زبدي نارا من السماء تحرق قرية سامرية، لم تعط السيد مكانًا وضيافة وترحابا، وقال لهما في زجر قاس: «من أي روح أنتما» وكأنما يريد أن ينبهما، أن روح إيليا النبي الملتهب الغيور، لا يجوز في العهد الجديد أن تأخذ صورة القسوة والانتقام والثأر، على أي حال لقد كانت هذه المرأة تعمل في عصرها القديم بروح العصر وأسلوب ونظامه وإيمانه، وهي فيما خلا ذلك تعطي صورة رائعة لانتصار عناية الله أزاء ظلم لم يكن له على الإطلاق، ما يبرره، من هامان المدمر الرهيب القاسي..



أستير والعناية

قد يكون من الغريب في سفر أستير أن لفظ «الله» جل جلاله لم يرد في السفر، لكن عناية الله ظهرت في كل سطر فيه ونحن يمكن أن نراها فيما يلي:



أستير وامتياز العناية

ليس في قصص التاريخ أمثلة كثيرة لشخصيات ترتفع من الحضيض إلى المجد بهذه الصورة، فتاة فقيرة يتيمة من شعب مرذول تدبر لها العناية أن ترقي عرش امبراطورية فارس، ومن أجل هذا التدبير وفي أعقابه يرتفع أناس ويسقط آخرون، وتتلفت الفتاة الفقيرة لتجد نفسها في هذا الجو الملكي العظيم، سيدة سيدات فارس، والملكة المدللة المحبوبة، لم هذا! ألكي تلهو وتسر؟ ألكي تتمتع بأطايب الملك وخمر مشروبه؟ ألكي تغرق في الحياة البازخة الناعمة؟ ألكي تأمر وتتسلط وتستبد؟ كلا، بل أن للعناية قصدًا ثابتًا علويًا كريمًا، بدأ في أول الأمر عند مردخاي ظنًا: «من يعلم إن كنت لوقت مثل هذا وصلت إلى الملك» ثم تحول هذا الظن يقينا بعد أن جاء الفرج، وتحققت النجاة على يديها، إنه الامتياز يتحول إلى مسئولية لازمة، والتملك يضحي وديعة مؤكدة، والسيطرة تمسى أمانة واجبة!!.

هذه قصة ما نعطي دائمًا، دعاها الله وزنات، ومن الناس من يأخذ خمسًا وآخر وزنتين، وآخر وزنة، أيا كان عددها، فهي على كل ودائع وامتيازات لم يحرم منها واحد قط في هذه الحياة! فما هي وزنتك أو وزناتك وماذا عملت بها وكيف تصرفت فيها! هل أنت ممن يضيفون إلى ما في حوزتهم «ياء النسب» جسدي، عقلي، ثروتي، ملكي، مجهودي، كدي، نشاطي؟ أم أنت ممن يعتقدون أن هذه من الله وينبغي أن ترد لمجده! إن الإجابة على هذين السؤالين، هي التي تضع الفرق بين إنسان العالم وإنسان الله، بين الإنسان الخارج عن وضعه، والإنسان حيث وضعته إراده الله.. من الأقوال المأثورة عن لوثر: «أني أؤمن أن الله خلقني وخلق كل الموجودات، وأنه أعطاني وما يزال يصون لي جسدي ونفسي، بكل ما أملك من أعضاء، وحواس، وعقل، وروح، وجهز لي ثوبي وطعامي وعائلتي وبيتي، ومنحني الكل دون استحقاق، لأرد له الجميع حمدا وشكرًا وطاعة وخدمة» على أنه يوجد من الناس من نسمعه يقول: إني على استعداد أن أخدم وأبذل وأجود بكل مالدي لو أن ظروفي أوفق وأحسن وأيسر، لو أن الله ينقلني بين طرفه عين وانتباهتها، من خمول الذكر والضعة والفقر، الى الرفعة والسؤدد والمجد، كما نقل أستير! مثل هذا أريد أن أذكره بقصة شابين وشابة، كان ثلاثتهم برمين بالحياة وظروفهم، وبسوء تصرف الناس فيما يملكون ويعلمون! كان الأول يقول آه لو أنني غنى لنثرت الذهب على الفقراء، وأشبعت الجياع، وكسوت العرايا، ولأنشأت الملاجيء والمستشفيات ودور العجزة، يا للأسف أني لا أملك مالا، لكن هذا الشاب على الأقل كان يمكنه أن يقتسم - ولو لمرة واحدة - مع جار له جائع لقمة خبز أو بعض آدام، وأبدا ما فكر أو حاول أو فعل!... وأما الثاني فكان ينعي على الخدام إهمالهم وقصورهم في التبشير كان يقول لو أنني خادم لهززت المنبر، ووبخت الشرير، وأرعدت الخاطيء، وقويت البائس، وأعنت المسكين،... غير أنه ما فكر مرة وهو يذهب صباح كل أحد إلى الكنيسة بالسيارة، أن يحدث سائقها عن الدين أو يدعوه إلى الدخول إلى بيت الله بدلا من الانتظار في الخارج ساعة العبادة،... أما الثالثة وكانت عانسًا لم تتزوج فقد كانت تشكو البيوت وسوء التربية وفساد الأخلاق، وتتمنى لو وهبها الله زوجًا وبيتًا وولدا إذن لأحسنت قيادتهم ورعايتهم والسهر عليهم وجعلتهم جميعًا في شركة سامية صالحة مع الله، ومن الغريب أنها نسيت أن عندها خادمة لم تر منها سوى القسوة والاستبداد والإهمال وسوء المعاملة.

أيها الصديق تمسك بما عندك، وأحسن العمل به، مهما يبدو صغيرًا حقيرًا تافهًا، ولا تنس أن أرملة فقيرة ألقت في غفلة من الناس ووعي البشر فلسين حقيرين في خزانة بيت الله، ولكن رقيب الناس رآها وامتدحها ومجدها مجدًا لم يعرفه الأغنياء والأثرياء وأرباب الكنوز، ولا تنس أن ولدا صغير أنقذ نلسن في معركة من معاركه الأولى فكسب لانجلترا النيل وكوبنهاجن والطرف الأغر،.. ليتك تسمع أخيرًا عند ختام الحياة هذه العبارة الإلهية الكريمة: «نعما أيها العبد الصالح والأمين كنت أمينًا في القليل فأقيمك على الكثير أدخل إلى فرح سيدك!..».



أستير ووقت العناية

لعلة من المثير هنا أن ندرك أن عناية الله لا تقع من حيث الزمان على الإطلاق أمام عنصر المفاجأة، وما نتصوره نحن صدفة أو عارضًا أو مفاجأة، لا يمكن أن يكون كذلك أمام الله الذي يجمع الزمان كله بين يديه، ويرتبه ترتيبًا زمنيًا دون أن يترك دقيقة أو ثانية واحدة من غير حساب، وكان في قصة أستير، لابد أن يرتب للحوادث ويعدها، كما يلحقها دون أن تفلت نأمة أو حركة من بين يديه، فأعد أستير للملك، بعد خلع الملكة وشتي، بما يقرب من عشر سنوات على الأقل، فأضحت المملكة المحظوظة والمحبوبة، قبل ظهور المؤامرة بوقت طويل، كما أنقذ الملك أحشويرش من مؤامرة خصييه، وأجل مكافأة مردخاي للوقت المناسب، وجعل القرعة تقع في آخر شهر من شهور السنة حتى يمكن الوصول إلى أرجاء الإمبراطورية كلها، دون أن تسقط نقطة واحدة من دم الضحايا، وعند التنفيذ من ذلك، يأتي في اللحظة الأخيرة، في الهزيع الرابع، فلا ينقذ مردخاي إلا في صباح اليوم الذي كان سيصلب فيه. كما أن الشعب نفسه ينجو، عندما اقترب الأجل المحدد للخلاص منهم، والقضاء عليهم!

لقد تعلمت من ذلك أن الله يمسك في العادة بأطراف التاريخ، وقبل أن يدبر الشر يحتاط هو للأمر ويعد العدة، كما أنه يبصر الخفيات العميقة التي ربما لا يستطيع أصحابها اكتشافها بعد تحت أضالعهم وبين جوانبهم، ويعد المنقذ قبل الاضطهاد، ويوجد المصلح قبل تغلغل الفساد، لا تخف إذن ولا ترتع، وتقول... لقد ضعنا، وقد انهد الأمل وانطوى الرجاء، وضاعت الفرصة، ألا فاعلم أن الزمن لا يسبقه أو يتأخر عنه واذكره يقول: «من اغتصاب المساكين من صرخة البائسين الآن أقوم يقول الرب اجعل في وسع الذي ينفث فيه».. «اكتب الرؤيا وانقشها على الألواح لكي يركض قارئها لأن الرؤيا بعد إلى الميعاد، وفي النهاية تتكلم ولا تكذب. إن توانت فانتظرها لأنها ستأتي إتيانًا ولا تتأخر».. تستطع أن تترنم أومن بك يا صخر الدهور ومنية الآكام الدهرية!..



أستير وسعة العناية

في أي مكان تعمل العناية، وعند أي حدود تنتهي، قديمًا كان الوثنيون يعتقدون أن لكل آلهة مكانًا خاصًا لا تبرحه، بل تسيطر عليه وتعمل فيه، وكانوا يظنون أن آلهة الجبال لا تصلح للوديان، وآلهة البحر لا تصلح للبر، كان لكل آلهة منطقة خاصة لا تتجاوزها أو تتعداها، وكان اليهودي يحتاج إلى زمن طويل حتى يفهم سعة العناية بالمعنى الذي عرفه فيما بعد، ألم يقل يعقوب بعد أن بارح بيت أبيه، وصادف في البرية مكانًا رأى فيه الله: «حقاً إن الرب في هذا المكان وأنا لم أعلم» لكن قصة أستير تعلمنا جميعًا أن العناية في كل مكان، في شوشن، كما في الهند، وكوش، في كل أرض أحشويرش، بل في كل مكان على هذه الأرض!!.

أيها الصديق ألا تستطيع أن تغني مع داود في مزموره العجيب عن العناية: «من خلف ومن قدام حاصرتني وجعلت علي يدك. عجيب هذه المعرفة فوقي ارتفعت لا أستطيعها، أين أذهب من روحك ومن وجهك أين أهرب إن صعدت إلى السموات فأنت هناك وإن فرشت في الهاوية فها أنت إن أخذت جناحي الصبح وسكنت في أقاصي البحر فهناك أيضًا تهديني يدك وتمسكني يمينك، فقلت إنما الظلمة تغشاني فالليل يضيء حولي. الظلمة أيضًا لا تظلم لديك والليل مثل النهار يضيء كالظلمة هكذا النهار»؟... ومع ماري سليسر التي صاحت «ما كنت أجرؤ أن أفعل شيئًا أو أجزم أمرًا إلا ليقيني أنني أراه دائمًا في الطريق أمامي»... لقد أبصرته هاجر في الصحراء حيث ظنت نفسها وحيدة، ورأه يونان في بطن الحوت حين التف عشب البحر برأسه، واختبره الثلاثة فتية في أتون النار، وعرفه دانيال في جب الأسود، وجاء إلى يوحنا في بطمس.. ليس هناك مكان يختفي عنه عينيه.

أيتها الأم التي لها ابن ناء عنها في أقصى الأرض اذكري الله وصلي لأجل ولدك فإن الرب إلى جواره، أيها الأب الذي لا تعلم ماذا ما يجري في بيتك فكر في الله لأنك لا تستطيع أن تصون دارك دون عنايته، ذكرنا يارب أن نعلم أنك كما أنك بعيد عنا فأنت إلى جوارنا أيضًا جداً قريب.



أستير وقوة العناية

وما أقواها من عناية تلك التي تسخر خليطًا عجيبًا من الناس، فيهم الملك وفيهم الصعلوك، فيهم السيد وفيهم العبد، فيهم الطيب، وفيهم الماكر، فيهم البسيط وفيهم الشرير، فيهم المتكبر وفيهم الوديع، فيهم المؤدب وفيهم فظ الأخلاق، هذا والملك أحشويرش يضع لنا التاريخ صورة مرعبة لحياته تماثل ما نقرأ في سفر أستير، أنه لم يكن ملكًا بل كان وحشًا همجيًا شهوانيًا مستبدًا متغطرسًا في ثياب ملك، جرد أكبر جيش عرفه التاريخ القديم لمحاربة اليونان، وعمل جسرًا من السفن على بوغاز الدردنيل، ولما هاجت الزوبعة وكسرت سفنه أمر بجلد البحر وقطع روؤس المهندسين الذي شادوا الجسر، كان لا يعرف الرحمة أو تتطرق الرقة إلى قلبه، مع الأصدقاء أو الأعداء على حد سواء، توسل إليه صديق اسمه بسياس أن يعفي ولده الأكبر من الذهاب إلى الحرب وكان قد قدم أولاده الخمسة الباقين، فما كان منه إلا أن شطر الولد شطرين، وأمر الجيش أن يمر بينهما ليعرف الجميع كم هو حازم صارم، ما أقوى العناية التي تستغل مثل هذا، وهامان بكبريائه وعجرفته، وأنانيته، ودهائه،... ووشتي بوداعتها وفضيلتها،.. وأستير بجمالها وحيويتها، ومردخاي بتعصبه وغيرته، وغيرهم من المعلومين لنا أو المجهولين لدينا، كل هؤلاء تستغلهم العناية أبرع استغلال وأوفاه، بعواطفهم وميولهم، ونزعاتهم ومواقفهم، أشرارًا وأخيراً معاً، سواء كانوا في القصر أم على الطريق، داخل الحجاب أم في الخارج، ممن يصعب الوصول إليهم أو من يبلغهم الجميع...



تأمل كذلك أيضًا كيف تشق العناية سبيلها في المستحيل، فهذه شريعة مادي وفارس لا يمكن أن تتغير، وما تصدره من أحكام لا يستطيع تفاديه، وقرار الإمبراطورية، لا يستطيع الإمبراطور نفسه أن يعدل عنه بعد ما أصدره، فما فائدة الصلاة أو الصوم، لقرار أضحى واجب التنفيذ، ولا توجد قوة على الأرض يمكن أن تلغيه، لكن هل يعجز الله على الانتصار على أي قرار بشري. إن الإيمان يؤكد أنه حتى ولو لم تتدخل أستير، وسكتت عاجزة عن أن تفعل شيئًا، فإن النجاة ستأتي بأي سبيل آخر، وتتخطى كل النظم والنواميس والقوانين، حتى ولو كانت أقسى نواميس الطبيعة أو شريعة مادي وفارس التي لا تتغير، لم يستطع الإمبراطور أن يعدل عن قراره، ولكنه أصدر الأمر للشعب المجني عليه بأن يستعد للدفاع عن نفسه، وأن يجد كل معاونة في الإمبراطورية للقضاء على خصومه، أنه يشبه في ذلك ما فعله سلطان قديم قيل إنه أصدر قرارا بأن يجلد كل من يرى وهو يشرب خمرا ثمانين جلدة، وكان لهذا السلطان صديق شاعر يدمن الخمر وأراد السلطان تكريمه، فطلب منه أن يتمنى عليه بأي طلب، فأجابه الشاعر لا رغبة لي ولا أمنية الا أن أشرب خمرًا وأعفى من العقوبة فقال له السلطان: ولكن هذا محال لأني كيف أنقض حكمًا عاماً أذعته، ورجاه أن يطلب شيئًا آخر، غير أن الشاعر لم يكن عنده غير هذا الطلب، ففكر السلطان وفكر بدافع إعزازه للرجل كيف يخلصه من العقوبة، واخيرًا اهتدى إلى حل.. أن يضرب الشاعر ثمانين جلدة إذا أبصر يشرب خمرًا، على أن يضرب من يشهد عليه مائة جلدة، فكان الناس إزاء هذا الحكم يضحكون ويتندرون قائلين: من يدفع ثمانين جلدة للشاعر ليأخذ بدلاً منه مائة.. وهذا ما فعله أحشويرش تمامًا ليخرج من مأزق القرار الأول الذي أصدره، وبذلك استطاع المظلوم لا أن يدفع عن نفسه الظلم فحسب، بل أن يتخلص من ظالمه أيضًا.



على أي حال أنها العناية الإلهية العجيبة، التي تمسك بالشر لتحول منه إلى الخير، أو كما ذكر يوسف الصديق لإخوته، «أنتم قصدتم لي شرًا أما الله فقصد به خيرًا لكي يفعل كما اليوم» أو كما قال شمشون: «من الآكل خرج آكل ومن الجافي خرجت حلاوة» أو كما هتف أساف قائلاً: «لأن غضب الإنسان يحمدك، بقية الغضب تتنطق بها» وما أكثر اختبارات القديسين التي لا تنتهي في كل التاريخ من هذا القبيل.



وهي العناية التي تأتي للضعيف العاجز ليأخذ قوته وأمنه وهدوءه وسلامه، كذلك الطائر الذي صوره وردثورث وقد دفعته الرياح العاتية في بلاد النرويج، وهو مقرور يكاد يموت من البرد، وحاول أن يقاوم بجناحيه الواهنتين الضعيفتين، ولكن الريح دفعته دفعًا نحو المحيط فأغمض عينيه واستسلم، ولكنه لم يسقط في المحيط، بل طرحته العاصفة في بقعة مشرقة هادئة في شمال انجلترا.. أليست هذه هي صورة حياتنا جميعًا حين نرفرف في مواجهة المتاعب بأجنحة ضعيفة مرتعشة لا تلبث أن تخور، وتكف عن كل محاولة ومجهود، ولكن عناية الله تظهر عندئذ.



لقد علم عصفور صغير قذفت به الزوبعة إلى غرفة تشارلس ويسلي، حيث وجد من المرنم الموهب حنانا وعطفا عبرا به أرض الخوف والموت والهلاك، علمه هذا العصفور أن يرنم ترنيمته الحلوة التي مطلعها:



من يسوع المعتمد لاجئا أرجو النجاة


بينما الأرياح قد غمرتني بالمياه


أعطني الستر الحصين ريثما يأتي الحمام


وأهدني المينا الأمين خاتمًا لي بالسلام



ألا يجمل أن نقول بعد هذا كله: «منحتني حياة ورحمة وحفظت عنايتك روحي» «هل تسلب من الجبار غنيمة وهل يفلت سبي المنصور فإنه هكذا قال الرب حتى سبي الجبار يسلب وغنيمة العاتي تفلت وأنا أخاصم مخاصمك وأخلص أولادك وأطعم ظالميك لحم أنفسهم ويسكرون بدمهم كما من سلاف....».... طوبى لجميع المتكلين عليه!!...

avatar
abram
مديرعام المنتدى
مديرعام المنتدى

عدد المساهمات : 522
تاريخ التسجيل : 06/12/2009
العمر : 27
الموقع : stmary.elbotak.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى